Nouvelles | News | الأخبار

الاحتفال بعيد شفيعنا مار انطونيوس الكبير "أب الرهبان" مع الراهبات الأنطونيات في دير وثانوية السيدة للراهبات الأنطونيات – الجمهور

ضمن إطار الاحتفالات بعيد شفيعنا مار انطونيوس الكبير "أب الرهبان" التقى الرهبان الأنطونيون والراهبات الأنطونيات يوم السبت 13 كانون الثاني 2018 في دير وثانوية السيدة للراهبات الأنطونيات – الجمهور، فَصَلّوا معًا واستمعوا لحديث الأب جورج حبيقة الراهب اللبناني الماروني، رئيس جامعة الروح القدس – الكسليك، بعنوان:"ما الذي يربطنا بالقديس انطونيوس الكبير اليوم، نحن الرهبان الأنطونيين والراهبات الأنطونيات؟". ثم احتفلوا بالذبيحة الإلهية، وجدّدوا خلالها التزامهم بالنذور الرهبانية، واختتموا اللقاء على مائدة محبة. وخلال القداس ألقى قدس الرئيس العام عظة حول روحانية الحياة الرهبانية في ضوء حياة القديس انطونيوس:

"كثيرٌ منَ الناس يملكونَ كلَّ شيءٍ ولكنَّهُم حزانى لأنَّهُ ينقصُهُم المسيح "
(الشيخ البار باييسيوس الآثوسي)
بدايةً، أرفعُ الشكرَ لله على هذا اللقاءِ السنويِّ الذي نُحييهِ راهباتٍ ورهبانًا أنطونيّين، والذي نريدهُ دائمًا أكثرَ فاعليَّةً، وأشملَ مواضيعَ، لنتمكَّنَ مِنْ أنْ نُخلِّدَ هذا التراثَ الأنطونيّ الذي تفاعلَ عبرَ التاريخِ، وفي كلِّ مرحلةٍ، بما يتناسَبُ معَ المعطياتِ الاجتماعيَّةِ والإرساليَّةِ والعدديَّةِ لكلٍّ من رهبانيَّتَيْنا. وهلْ أفضلَ مِنْ مناسبةِ سنةِ الشهادةِ والإستشهادِ لنقومَ بوقفَةٍ وجوديَّةٍ، ونظرةٍ ذاتيَّةٍ للواقعِ والتاريخ، لنأخُذَ منها العِبَرَ، وننبَسِطَ إلى مُستقبلٍ أكثرَ فاعليَّةً وحُضوراً، وبخاصَّةٍ في هذا الجوِّ الشرق أوسطي المشحونِ رُعبًا وتهجيراً. في هذا الوقتِ بالذات، يُطلبُ منَّا أنْ نكونَ علاماتِ رجاءٍ، وأنْ نسيرَ عكسَ الاتِّجاهِ الذي يرسِمُهُ لنا الآخَرون، لنكونَ في طليعةِ علاماتِ الثباتِ والحضورِ على مُختلفِ المستويات.
العيدُ هو كسرُ الزمانِ المكرورِ، خروجٌ إلى المطلقِ، إلى المأمولِ، إلى الفرحِ، إلى مُشاركةِ أهلِ الأُمَّةِ احتِسابًا لما تصيرُ إليهِ إذا عانقَتِ اللهَ. كلُّ الشعوبِ على مُختلفِ أعيادِها تقطَعُ زمانَها المتكرِّرَ بأعيادٍ. غيرَ أنَّ المسيحيَّةَ أعطت العيدَ سعةً ورحابةً نادرتين. بادئَ بدءٍ تُقحمُ الحياةَ الأبديَّةَ في كلِّ يومٍ من أيَّامِ السنة إذْ ليسَ من يومٍ واحدٍ ليسَ فيهِ احتفالٌ بما يتعلَّقُ بسيرة المسيح أو قديسٍ أو مجموعةِ قدِّيسين. من هذه الزاوية في كلِّ يومٍ خروجٌ عن زمنيَّتِهِ لتعودَ إلى عظمةِ التقوى ووجوهِ البِرِّ الذي مارسَهُ المحتَفَلُ به في عبادةِ ذلك اليوم. تشُدُّ نفسكَ إلى القداسة التي لا يحبِسُها زمانٌ. العيدُ إذن يمنحُكَ حريَّةً من يوميَّاتِكَ وأيَّامِكَ لتلتقيَهُ، إذا تحرَّرتَ مِنْ وطأةِ يومِكَ تذهَبُ إلى يومِ الذكرى التي تقيم. هذه مسيرةٌ لكَ في التاريخ. تجعلُ الماضي حاضراً فيكَ وفي الجماعة.
هذا ما اعتَدْنا أخيراً أن نسمِّيَهُ تأوينًا وهي أنْ تُقيمَ الماضي في الآنِ الذي تحياهُ كأنَّهُ ليسَ بينَهُما زمانٌ. وهذا ليسَ مجرَّدَ تذكُّرٍ أو تخيُّلٍ. أنتَ تعيشُ الماضي في الحاضر فلا يبقى في وجدانكَ ماضيًا. أنتَ تختبرُ الواقعَ اليوم. هذا لا يمكنُ حصولهُ إلا في تحرُّكٍ روحيٍّ فيك. ولذلك كان العيدُ حدثًا تتذوقُّهُ الجماعةُ اليوم. فالذكرى القائمةُ على الإيمانِ والتي تعيشُها بالإيمان، فحقيقَتُها الذوقُ الإلهيُّ فينا فإننا مُعيِّدونَ بالنعمة. بكلامٍ آخر الربُّ الذي فينا يُعيِّدُ لنفسهِ.
العيدُ هو لك والمسيحُ فيكَ، أوْ ليسَ لك من عيدٍ. العيدُ إذا عرفتَهُ في التقويم فقط ليسَ بِعيدٍ. المسيح يريدُ أنْ يُصبحَ فيكَ هو العيدُ أي أن تصيرَ لهُ.
ليسَ العيدُ تذكاراً ذهنيًّا لحادثةٍ للربِّ مَضتْ. هو التماسٌ لحضورِ الله فيكَ وللجماعة. هو أن تطلبَ إلى الربِّ نقلَ العيدِ إليكَ بحيثُ تتجلَّى كما تجلَّى هو. أي كما ظهر إليكَ إلهًا في الجسدِ ليجعَلكَ الآنَ مِنْ نور السماء. وكلُّ عيدٍ لك استدعاءُ مجدهِ الإلهيِّ عليكَ، بحيثُ تتعالى عن ترابِيَّتِكَ وتجلبُ عليها ضياءَ السماءِ فتُصبحُ أنتَ، بصورةٍ عجيبةٍ، قامةً مِنْ نورٍ. إنْ لمْ تصِرْ أنتَ بالإيمانِ والتوبةِ مُضيئًا بالمسيح تبقى مخلوقًا لا يقرأُكَ اللهُ. وأمَّا إنْ تحوَّلتَ إليه بالعيد يراكَ لهُ، بعضًا مِنْ نورهِ ويفرحُ. إذْ ذاكَ يتمُّ لكَ العيد.
سيبقى السابعَ عشرَ من كانونَ الثاني مناسبةً مقدَّسةً وعزيزةً، إنها بالنسبةِ إلينا، نحنُ الراهبات والرهبان الأنطونيين، مناسبةُ تأمُّلٍ وتجدُّدٍ روحيّ، نلتقي فيها لنجدِّدَ سويَّةً إلتزامَنا الرهباني، على مثالِ أبينا القدّيس العظيم، مار أنطونيوس رائدِ الحياة الرهبانيَّة ومُرَكِّز روحانيَّتِها. إنَّهُ مثالُنا الأعلى، ننهَلُ منْ سيرةِ حياتِهِ وتعاليمِهِ كلَّ سنةٍ، ما يُجدِّدُ عزيمَتَنا لنسيرَ على خطاهُ في طريقِ القداسةِ ومحبَّةِ الله وإخوتِنا البشر بحسبِ إنجيلِ ربِّنا يسوع المسيح. نحن ندركُ بأنَّ هذا الطريقَ ضيِّقٌ وصعبٌ، وقد يعترينا الضعفُ أحيانًا، ولكنَّنا نتقوَّى بنعمة مَنْ يُقوِّينا ونتابعُ المسيرةَ بعزمٍ ورجاءٍ.
توًّا أقولُ لكم إنَّ الذي قامَ بهذه الحركة منذُ البدءِ، عنيتُ به أنطونيوس العظيم، إنَّما أرادها حركةَ اعتراضٍ بالدرجةِ الأولى، وحركةَ شهادةٍ بسببٍ من هذا الاعتراض. أمَّا الاعتراضُ، فهُو على الطائفةِ كما كانت، مُفلفشَةً، في الإسكندرية. وتذكرون أنَّهُ كان يعيشُ في القرن الثالث للميلاد، أي كنَّا في مطالعِ الكنيسة، وأخذت الكنيسةُ في بلدهِ تنسى أنَّها مدعوَّةٌ إلى الملكوت، وأنَّها ليست من هذا العالم. قبَعْنا في هذا العالم، استلذذناهُ، وأخذنا منهُ كلَّ طمأنينةٍ، وكنَّا مسيطرين على الناس. هذا ما رآهُ الشاب المصريُّ أنطونيوس، وقال: هذه الجماعةُ، وإن تبدو كنيسةً، إلاَّ أنَّها أمست في واقعها المرير طائفةً من طوائفِ الناس، تكتُّلاً بشريًّا، وليس مِن كنسيَّتِها سوى هذا الخبز وهذه الكأس. ولذلك قال: أنا ذاهبٌ إلى الصحراء، أنا معترضٌ. أنا ذاهبٌ إلى الصحراءِ لأُقيمَ هناك ملكوتَ الله، لأحيا بموجبِ عظةِ الجبل. يمكنُ أن نتأمَّلَ المسيحيَّةَ في زاويةٍ من زواياها أنَّها العظةُ التي أُلقيَتْ على الجبلِ. غير أنَّهُ قالَ أيضًا إنَّ هذا الاعتراضَ لن يكونَ بشيءٍ أو يبقى انفعالاً إن لم أشهد. كيف يشهدُ الإنسان؟ يموت. لكنَّهُ لاحظ في عصره أنَّ الرومانَ ما عادوا يقتلونَنا، وكيف نموتُ إن لم يكُن مَن يقتُلُنا، ولهذا قالَ إنِّي سأمشي أنا وحدي للربِّ الأوحَدِ قتيلاً للحُبِّ الإلهيّ. كانت هذه بدايةُ الشهادة البيضاء.
ولهذا قالت كتُبُنا النسكيَّةُ إنَّ الراهبَ هو الذي يحيا وحدَهُ للربِّ وحدَهُ، من حيثُ إنَّهُ منفصِلٌ أو يحاولُ أن ينفصلَ عن كلِّ شهواتِ هذا العالم، عسى يحسُّ بأنَّهُ يعيشُ منذُ الآن في الملكوت. الملكوتُ يحسبُهُ الناسُ على أنَّهُ بعيدٌ. على أنَّهُ لا يأتي في عمرِ أيٍّ منَّا. الملكوتُ مُرجَأٌ، كذا في مشاعرِ الناس. قال هذا الفتى: الملكوتُ أنا أحقِّقُهُ في البادية. إذا كان المسيحُ حيًّا الآن، فأنا معهُ ملكوت. وأنطونيوس ما كان ينتظرُ أو يخطِّطُ مجيءِ مَنْ يلحَقُ بهِ. ما كانَ مُؤسِّسًا لشيءٍ. المؤسَّسَةُ الرهبانيّة جاءَت فيما بعد عندما ماتت الحركةُ الرهبانيّة. جاؤوا يرتّبون... جاؤوا يرتّبونَ لأنَّ النارَ قد انطفأت. جاؤوا يضعونَ قوانينَ لأنَّ النفسَ الرهبانيَّةَ ما بقيت قانونًا في ذاتِها. أبطلوا الحبَّ نظامًا فكتبوا على الورقِ قوانين. وعندما عرفَ شبَّانُنا في مصرَ أنَّ هذا الرجلَ يُشرقُ على الصحراءِ، وأنَّ الكنيسةَ كانت هناكَ، وأنَّ الكنيسةَ كانت أنطونيوس، والناسُ يسرحونَ ويمرحونَ في الحياةِ الطائفيَّةِ، ويقولونَ إنَّها كنيسةٌ، وما كانت، ذهبوا إليه ليتحرّكوا بحركَتِهِ، أي ليُميتوا الأنا فيهم. الأنا يا إخوة لا يموت. كلٌّ منَّا يحسبُ أنَّهُ متحرِّرٌ لأنَّه لا يقتني مالاً، والرهبان يحسبونَ أنَّهم أعفَّاء لأنَّهم لا يتزوَّجون، ويظنّونَ أنَّهم اختاروا الطاعةَ لأنَّهم يرضخونَ لأوامر. هذه كانت الرهبانيَّةُ كما رسمها أنطونيوس. الرهبانيَّةُ عندهُ رقَّةٌ وطراوةٌ، ونفسٌ تذوبُ، ولا تُقَولَبُ ولا تُعَلَّبُ. وذهبوا إليه فأضاؤوا البوادي. وسمعَ الأنطاكيّونَ بالأمرِ، وسمع أهلُ فلسطينَ بالأمرِ، فتحرّكوا أيضًا إلى الصحارى، فباتوا آباءَنا. لأنَّنا نحنُ نجيءُ من هذا النسكِ، وذاكَ الفقرِ، وتلك العفَّةِ. نحنُ نجيءُ من انسحاقٍ. نحنُ لا نفتعلُ الانسحاقَ. وقد أردنا نحنُ المكرَّساتِ والمكرَّسين أن نتَّبعَ خُطى أولئكَ الأبطال الذينَ علَّمونا أنَّ المسيحيَّةَ حادَّةٌ، وأن ليس فيها مساومات، وعلَّمونا أنَّ الإنسانَ إن لم يصبِح مسيحًا فهو مَظهَر. لا شيءَ يدخلُ من المظهَرِ إلى القلب. هذه أكذوبة. الحياةُ تتدفَّقُ من القلبِ إذا ما تنزّلَ عليه الروح القدس وتخرجُ إلى العالم مثالاً وشهادة.
إنَّ تحدِّيًا كهذا يُـخرجُنا، دون أدنى شكٍ، من تفاصيلِ حياتِنا الصغيرة التي تلقي أحيانًا تبعاتٍ على المسيرة العامة، وبدلَ أن نُعنى بالأمورِ الوجوديَّة تُرانا ننصرفُ إلى تسيير الأمورِ اليوميَّة الصغيرة ومُراضاةِ بعضِنا، فيفوتُنا قطارُ الريادة، ويضيع دورنُا القياديُّ في التفاصيل، وأخافُ في النهاية أن نُؤخَذَ على حين غرَّةٍ، فيضيعَ غنانا الروحيّ، وتراثُنا الرهبانيّ، وعملُنا التربويّ والاجتماعيّ، والتزامُنا الرعويّ، وحتى امكاناتُنا المادّيّة، في أمورٍ بعيدةٍ كلَّ البعدِ عن دورِنا الرئيسيّ.
نشكرُ الله على رهبانيّتنا التي تحملُ خلفَها تاريخًا وإمكاناتٍ روحيَّةً وإنسانيَّةً وماديَّةً كافيةً للقيام بالرسالة خيرَ قيامٍ، ولم تكن يومًا مجرَّدَ ملجإٍ لأحدٍ، فلا يتنامَينَّ إلى الأذهانِ بأنَّنا مضمونون، بل نحن على الجبهةِ قبلَ أيّ إنسانٍ آخر، وإذا كانت جبهتُنا إنسانيَّةً معَ كلِّ ما تحويه هذه الرسالةُ من تضحياتٍ، وروحيَّةٍ معَ ما تحتاجُهُ من شهادةٍ واستشهادٍ، فهي في الوقت عينهِ تشملُ كلَّ شعبِ الله، فلا يُسمحُ للراهب أو الراهبة أن يتخاذلَ أو ينكفئَ، أو أن يبكي على أطلالِ المراكز، بل تبقى النذورُ التي قدَّمَ من خلالها ذاتَهُ لله، المحرّكَ الذي يمدُّهُ بالقوّة. وليعلم الجميع، رهبانًا وراهباتٍ، بأنَّ أيَّ تخاذلٍ يواجهُهُم في حياتهم، إنما مُتأتٍّ من عدم الإيمان بالله وبالتكرس، وليس بسببِ الأمراض التي تَضربُ في بعض الأحيان أجزاءً من الحياة الرهبانيّة. فرهبانيّاتنُا تؤمِّن ُكلَّ شيءٍ ليقوم الراهبُ بعملهِ، فما له إلاَّ أن يتركَ نفسهُ للروح لكي يقودَهُ.
فليكن لنا عيد أبينا القديس أنطونيوس، في الزمن، شرارةَ انطلاقٍ نحو أبديَّةِ العيدِ الذي لا ينتهي.