Nouvelles | News | الأخبار

الذكرى الـ٢٥ لتغييب الأبوين ألبير شرفان وسليمان أبي خليل

أحيت الرهبانية الأنطونية المارونية، الذكرى الخامسة والعشرين لتغييب الأبوين ألبير شرفان وسليمان أبي خليل في قداس احتفاليّ ترأسه الرئيس العام للرهبانية الأنطونية الأباتي داود رعيدي، في دير مار أنطونيوس – الحدت – بعبدا، يوم الأحد ١١ تشرين الأول ٢۰١٥ عند الساعة السادسة مساءً، عاونه فيه الأبوان المدبران جورج صدقه وريمون هاشم والأبوان بطرس عازار شربل بو عبود.
تقدّم الحضور رئيس أساقفة بيروت سيادة المطران بولس مطر، ممثلاً غبطة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، والمطرانان بولس الصياح وغي-بول نجيم، والأب المدبّر حنا الطيّار ممثلاً الاباتي بطرس طربيه رئيس عام الرهبانية المريمية، والأخت نزهه خوري ممثلة الأم جوديت هارون الرئيسة العامة للراهبات الأنطونيات، وسعادة النائب حكمت ديب ممثلاً العماد ميشال عون، ومعالي الدكتور طوني كرم ممثلاً الدكتور سمير جعجع، والدكتور مجيد العيلي ممثلاً الشيخ سامي الجميل، والنائبان ناجي غاريوس وآلان عون، ورئيس بلدية الحدث – سبنيه - حارة البطم الأستاذ جورج عون، والرئيس السابق لبلدية بعبدا الأستاذ هنري كرمللو الحلو، ولفيف من الرهبان والكهنة والراهبات، واهل الأبوين المغيبين وحشد من الاصدقاء وأهالي بعبدا والحدت.
رحّب رئيس الدير الأب المدبّر جورج صدقه بالمشاركين، وخدمت القداس جوقة المدرسة الموسيقية في مار الياس أنطلياس، بإدارة الأب فادي طوق، وتولّى أقرباء الأبوين ألبير وسليمان وعناصر من كشافة الاستقلال والقراءات وقراءة النوايا الخاصّة وصلاة الشكران. وفي ختام القداس، ألقى النائب العام الأباتي أنطوان راجح كلمة قدّم فيها محتوى كتاب المناسبة، بعنوان: "الأبوان ألبير وسليمان: في مجال القهر أم عن يمين الآب؟"، وشكر الأب بطرس عازار الجميع على المشاركة، وتم توزيع الكتاب على الحاضرين.
بعد الانجيل المقدس، ألقى الأباتي رعيدي عظة جاء فيها:
"غالباً ما تكون الاحداث التأسيسية ضاربة في التاريخ، والعودة اليها تغذّي الحياة اليومية بشكل أفضل، لا بل تصوّب الحياة الى غايتها النهائية وتعطيها معناها، حتى لكأن الحاضر يأخذ مِلْأَه من التاريخ، وما نعيشه اليوم ليس سوى تكاملٍ مع من سبقنا، فوضع الأساسات، وعليها نتابع اليوم البنيان. دأبنا على تسمية هذا الواقع "الشخصية المؤسساتية"، التي تجمع كل من اسهم بالمؤسسة، فلا يضيع أجر أحدٍ مهما صغر، ولا يتعاظم أجر آخر مهما حاول التغطية على الآخرين. إن نظرةً من هذا النوع تُفهمنا بشكلٍ أفضلَ غنى الحياةِ البشريةِ واتساعَ المؤسسةِ إلى أبعد مما نراه بعيوننا، حتى ولو لم نتعرف إلى من أسهم ببنائها شخصيّاً، كما تأخذ المؤسسةُ بُعْدَها الحقيقي لأنها لا تُختَزَل بالمرئي، أو بالملموس، أو بتحقيقِ أمورٍ منظورة، إنما يتجذر وجودُها بكل من اسهم في إنشائها وتطوّرها عبر الوقت.
في هذه المناسبة، ذكرى مرورِ خمسٍ وعشرينَ سنةً على تغييب أخوينا الأنطونيَّين، الأبوين سليمان أبي خليل وألبير شرفان، إذا أردنا النظر الى الخلف، ترانا نعيش غنى الحاضر والوعي الشخصي لكلّ من قدّم ذاته للوطن، كما أننا نعاني مما آلت اليه أمور اليوم، ونسبةَ استفادةِ المواطنين من شهادة اخوينا المغيّبَين، أو من شهادة الكثيرين الذي ماتوا من أجل الوطن. وما يُحزننا بالأكثر أن الحالةَ التي نحن فيها اليوم في لبنان تتجاهل أرواحَ الكثيرين من الذين فُقدوا وغُيِّبوا أو ذابوا في سجونِ الحقد والاستقواء إن لم نقل الاستكبار، من دون ان نلمس أيَّ تطور بالرؤية ونموٍ على المستوى الانساني يجمعُ اللبنانيين في قلب واحد، إنما نجد أن القسمة بدأت تأخذ مكانَها في القلوب، والفرزُ الطائفيُّ آخذٌ بالازدياد، لكأنَّ أرواح شهدائِنا على اختلاف انتماءاتهم قد ذهبت سُدًى، وهو ما نتلمَّسه في معاناة عائلات المفقودين والأسرى، وآخرِهم العسكريين المخطوفين، الذين ما انفكّوا يطالبون بكشف مصيرِ أولادِهم ولا من مُجيب.
وليست حياةُ الوطنِ الذي قُدِّمَت التضحيات من أجله أفضلَ حالاً، فلم نعمدُ، ويا للأسف، إلى بناءِ وطنٍ تليق الحياةُ فيه، بل حوّله قسمٌ من السياسيين إلى محميّات لهم وقطاعاتٍ اقتصاديةٍ وماليةٍ تعزّز تسلُّطَهم، وبدل أن يُقْسِموا الولاءَ لمن راهن على حياتِه كرامةَ الوطن، تقاسموا الوطنَ حِصصاً وفدرالياتِ زعامة. ويُدهشنا كيف أن الوطنَ غرق في الديونِ والعتمةِ والنفاياتِ والمحسوبيات ونقصِ الخدمات العامة على أنواعها: الكهرباء والماء والصرف الصحي، والطرقات، والتعليم، والطبابة، والتأمين الصحي أو ضمان الشيخوخة، علماً أن وزراءَ المالِ المتعاقبين لم ينفكّوا من فرضِ ضرائبَ مرفقةٍ بوعودٍ لتمريرِها، فانتهى بنا المطاف، أن أُقِرّتِ الضريبةُ وتناسوا التقدماتِ الموعودة.
وهكذا كان حالُهم مع من استُشْهِد من اولادنا لحماية لبنان، فبدلَ أن ننحنيَ إجلالاً أمَامَهُم، نجد من يُصَنِّفهم في خاناتِ الطائفية والعمالةِ والاصطفافِ والاجندات الخارجية والداخلية وما إلى هنالك، ليجعلَ من استشهادهم هباءً، ومن موتِهم هواناً، أو ليُقْنِعَ من بقي في هذا الوطن أنْ لا حقَّ له بعيشٍ كريم. هل أصبحنا اليومَ نحتكرُ الشهداءَ لمصالحنا؟! فلنقفْ وقفة ضميرٍ ونَجُلَّ كلَّ من ضحّى بذاتِه من أجلِ الوطن، ولنَجُلَّ أولادَ الشهداءِ وعوائلَهم الذين يذوقون الأمرَّين ليتابعوا حياتَهم، بدل أن نُضيفَ عليهم ثِقلاً آخرَ يتمثَّلُ بتَجاهُلِهم ونسيانِهم.
لا أعتقدُ أن أحداً سيتساءل اليومَ، وبعد خمسٍ وعشرينَ سنةً، عن سببِ ذكرى اخوينا الأنطونيين. فنحن لم نَنْسَهُم يوماً، بل كانوا لنا دوماً كالينبوعِ الحي، يسقون الرهبانَ من شهادتهم ومن استشهادهم، ولن ننسى ما حيينا اخوينا البير وسليمان ولا من مات من رهباننا على مدى تاريخ الوطن، وفي الحروب جميعِها، منذ نشأةِ الرهبانية، مرورًا بأحداثِ ١٨٤٠ و ١٨٦٠ والحربِ العالميةِ الأولى والثانية، والحربِ اللبنانيةِ الأخيرةِ في كلِّ مراحلِها. فصفحةُ الشهادةِ والشهداءِ هي الصفحةُ الأساسية التي يقرأُها كلُّ راهب ويَقيس حياته عليها، ويسعى لأنْ يكونَ بدورِه شاهداً للحقِ والاستقامة ولبناءِ وطنٍ يعكسُ القيمَ الإنسانيةَ والمسيحيةَ والأخويةَ التي أعطت لبنان، وما زالت، سِمَتَهُ الأساس. صفحةُ الشهادة هي العهدُ الرئيسُ الذي عليه نبني رهبانيتَنا ومسيرتَنا واسهامَنا في إنماءِ الوطن، وفي همّ العمل الرعويَ والروحيّ والتربويّ.
إن أيّةُ جماعةٍ حيةٍ لا تتلقَّفُ رسالةَ من سبقها وتغوصُ في التأمل بإسهامِه، تَفرغُ بسرعةٍ من معناها وتصبحُ وليدةَ الساعة، لا أصلَ لها، فتيبس. الرهبانيةُ الأنطونيةُ هي شجرةٌ مقدَّسةٌ غُرستِ على ضفاف نهرِ العطاء فكبرت وصارت أغصانُها باسقةً، ولكنها لم تنفكُّ تأخذ نسغَها من الجذورِ المغروسة في الأرض التي كانت وما تزال سببَ نموِّها. الرهبانيةُ هي شُلوحٌ مزهرةٌ اليومَ، بفضلِ تماسُكِها مع من سبقَنا، وطبعَنا بروحه، وروانا بدمائِه. لقد غُرستْ هذه الرهبانيةُ في أرضٍ طيِّبة، واعتنى بتنميتها مكرَّسونَ، فأعطت وما تزال ثماراً يانعةً طيّبة، تُشبعُ جوعَ كلِ قاصد، وتَروي الوطنَ روحَ محبةٍ وانتفاحٍ وإلفة، وتعملُ على نحتِ الإنسانِ مدماكاً متكاملا لإعلاءِ بناءِ المجدِ بالتماسكِ والتعاون.
نجتمع اليوم لنذكرَ أخوينا وكلَّ من أسهم عبر التاريخ ببناءِ لبنان، أولئِكَ الذين آمنوا بقضيةٍ حقّة وعاشوا وماتوا من أجلها، أولئك الذين لا يمكننا أن نفهمَ دوافعَهُم إذا لم نَعِشْ يوماً أمانةً لقضيةٍ بتجرّدٍ وعطاء نُسهم بها في حياة الآخرين. من يجتمع اليومَ ليصلّي معنا هم أناسٌ يريدون أن يغرفوا من فِعْلِ أخوتِنا وأمثالِهم وجوداً لذواتِهم، ومن الشهادةِ معنى لتضحياتِهم، أشخاصٌ يستوقفهم الكيانَ قبل أن يستوقفهم المقتنى، وتجذبُهم القيمُ بدل أن يُغْويهم تصريفُ الأعمال. لذا شئنا هذه الوقفةَ تحيةً لمن غذّى جذورنا فصرنا شجرةً يتفيَّأ في ظِلِّها كلُّ تَعِبٍ ومحتاج، شئناها لقاءً لمن جمعنا مع الكثير منكم، فأصبحنا عائلةً واحدة. شئنا أن نخلّدَ ذكرى أخوينا وشهدائِنا لكي من خلالهم نستمدُّ معنىً لتضحياتِنا اليومية، ونعملَ على بناءِ الرهبانيةِ والوطن ببذلِ الذاتِ وبالأمانةِ الشخصية لعهودِنا، فنكبُر بهم وتكبرُ الرهبانيةُ بنا ونصبحُ علامةَ خلاصٍ لبعضِنا وللعالم.
ليقبَلِ الربُّ تقدمةَ أخوينا الأبوين سليمان وألبير، وليجعلْنا على مثالهما وجودِّيين، نُسهم بتكرّسنا، قبل عملِنا، ببناءِ مجتمعٍ يليق بالإنسان ويعكسُ صورةَ اللهِ المنيرة. الشكرُ لكل الذين لم ينفكّوا يوماً من استلهام أخوينا، وقاموا بالكثيرِ من الجهود والتضحيات لمعرفةِ مصيرهِم، الذي نرجو أن ينكشفَ سريعاً مع مصيرِ الكثيرين من المفقودين.
الشكر للذين اسهموا في تحقيق الكتيّب-التذكار، وعلى رأسهم قدس الأباتي انطوان راجح، الذي سهر مع إخوتنا الرهبان ومع أقرباء أبوينا المغيّبين على إنجازِه، والشكر للأب المدبّر جورج صدقة رئيسِ دير مار أنطونيوس، الحدت-بعبدا، على استضافتِه، وللجوقةِ التي اضفت روحَ صلاةٍ وتضرّعٍ على الاحتفال، فأبعدته عن المناحة، وجمّلته بالرجاء المسيحيّ.
أشكرُ جميعَ الحضورِ المؤمنينَ بدمِ الشهداء والأمناءَ على رسالتِهِم.
وليقبَلِ اللهُ قربانَنا وليجمّلْ حياتَنا بالفضائلِ المسيحيةِ والإنسانيةِ لمجدِه ولخيرِ المجتمع."